أحمد بن محمود السيواسي

19

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

جمع مفتح ، وهو المفتاح ، وقيل : جمع مفتح وهو المخزن « 1 » ، والمراد علم جميع المغيبات كمجيء المطر ونزول العذاب وغيض الأرحام من ذكر وأنثى وما في غد والموت في أي مكان يقع وقيام الساعة ، قوله ( لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ) نصب على الحال ، وعاملها الظرف الذي ارتفع به « مفاتح » ، أي حال كونه لا يعلم الطرق الموصلة إلى علم الغيب إلا هو ، فهو يعلم فتح المغيبات لكون المفاتح في يده كمن عنده مفاتح أقفال المخازن ، ويعلم فتحها وما في المخازن ، ثم قال توضيحا لذلك ( وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ ) من النبات والحب والنوى ( وَالْبَحْرِ ) أي ويعلم ما في البحر من الدواب وغيرها ( وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها ) أي لا تسقط ورقة من الشجر إلا يعلم متى وقت سقوطها وأين مسقطها وعددها وأحوالها قبل السقوط وبعده ( وَلا حَبَّةٍ ) عطف على « وَرَقَةٍ » ، أي ولا تسقط حبة من الحبوب ( فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ ) أي في خبايا الأرض التي يخرج منها النبات ( وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ ) أي لا حي ولا ميت أو لا قليل ولا كثير ، عطف على « وَرَقَةٍ » على طريق الإدخال في حكمها ، كأنه قيل وما يسقط شيء من جميعها ( إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) [ 59 ] أي في علم اللّه أو في اللوح ، وهو كالتكرير لقوله « إِلَّا يَعْلَمُها » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 60 ] وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 60 ) ( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ) أي يقبض أرواحكم ( بِاللَّيْلِ ) أي فيه إذا نمتم ( وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ ) أي كسبتم من خير وشر ( بِالنَّهارِ ) أي فيه من الآثام وغيرها ( ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ ) أي يوقظكم من النوم ( فِيهِ ) أي في النهار ( لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ) أي ليتم أجلكم المعلوم عنده وهو مدة الحياة ( ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ) أي مصيركم بعد الممات إلى موقف حسابه ( ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ ) أي يعلمكم ( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ 60 ] من خير وشر فيجازيكم به ، قيل : إذا نام الإنسان يخرج منه الذهن ، وهو بلسان الفارسية « روان » ولا يخرج روحه وإلا لمات « 2 » ، وقيل : تخرج وتبقي الحياة « 3 » ، وقيل : النوم أمر لا يعرف حقيقته إلا اللّه « 4 » . [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 61 ] وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ( 61 ) ثم قال ( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ) أي هو الغالب عليهم بالقدرة يتصرف فيهم كيف يشاء ( وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ ) أيها الكفار ( حَفَظَةً ) أي ملائكة تحفظ أعمالكم بالكتابة ، وهم الكرام الكاتبون ، جمع الحافظ ، قيل : يرسل لكل إنسان ملكين بالليل وملكين بالنهار ، يكتب أحدهما الخير والآخر الشر ، ويكون أحدهما عند مشيه بين يديه والآخر خلفه ، ويكون أحدهما عن يمينه عند جلوسه والآخر عن شماله « 5 » ، وفي إرسال الحفظة عليهم مع غناه بعلمه عن الكتابة لطف من اللّه تعالى لعباده ، لأنهم إذا علموا أن الملائكة يحفظون عليهم أعمالهم بكتابتها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد يوم القيامة كان ذلك أزجر لهم عن القبيح وأبعد من السوء ، يعني يحفظ « 6 » الملائكة عليهم أعمالهم ( حَتَّى إِذا جاءَ ) أي حضر ( أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) عند انقضاء أجله ( تَوَفَّتْهُ ) أي قبضته ، وقرئ توفاه « 7 » بلفظ التذكير بالإمالة ماضيا ومضارعا بمعنى تتوفاه ، أي تقبضه « 8 » ( رُسُلُنا ) وهم ملك الموت وأعوانه ، قيل : إن الدنيا بين يدي ملك الموت كالمائدة الصغيرة يقبض من هنا وهنا ، فإذا كثرت عليه الأرواح يدعوها فتجيب « 9 » ، وقيل : جعلت له الأرض مثل الطست يتناول من يتناوله وما من أهل بيت إلا يطوف عليهم

--> ( 1 ) أخذه عن الكشاف ، 2 / 70 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 367 . ( 2 ) نقله المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 490 . ( 3 ) لعله اختصره من السمرقندي ، 1 / 490 . ( 4 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 490 . ( 5 ) وهذا مأخوذ عن السمرقندي ، 1 / 490 . ( 6 ) يحفظ ، ب م : تحفظ ، س . ( 7 ) « توفته » : قرأ حمزة وحده بألف ممالة بعد الفاء ، والباقون بتاء ساكنة مكان الألف . البدور الزاهرة ، 104 . ( 8 ) تقبضه ، ب س : يقبضه ، م . ( 9 ) نقله عن البغوي ، 2 / 369 - 370 .